الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
69
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إلى الناس كافة من جهة أخرى ، وعليه ، فهذا التفسير بعيد عن مرام الآية . وعلى آية حال ، فعدم استقرار الإنسان على حال ثابتة يدلل على فقر الإنسان واحتياجه ، لأن كل متغير حادث ، وكل حادث له محدث ، كما وإن عدم استقرار هذا العالم علامة على حركة الإنسان المستمرة نحو الله والمعاد ، وكما قالت الآية : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه . ومن كل ما سبق . . يخرج القرآن الكريم بنتيجة : فما لهم لا يؤمنون . فمع وضوح أدلة الحق ، مثل أدلة : التوحيد ، معرفة الله ، المعاد ، بالإضافة إلى ما من الآفاق في آيات مثل : خلق . . . الليل والنهار ، الشمس والقمر ، النور والظلمة ، شروق الشمس وغروبها ، الشفق ، ظلمة الليل ، اكتمال القمر بدرا ، وكذلك الآيات التي في نفس الإنسان منذ أن يكون نطفة في رحم أمه ، وما يطويه من مراحل حتى يكتمل جنينا ، مرورا بما يمر به من حالات في حياته الدنيا ، حتى يدركه الموت . . فمع وجود كل هذه الأدلة والآيات لم لا يؤمنون ؟ ! . . وينتقل بنا العرض القرآني من كتاب ( التكوين ) إلى كتاب ( التدوين ) ، فيقول : وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون . القرآن كالشمس يحمل دليل صدقه بنفسه ، وتتلألأ أنوار الإعجاز من بين جنباته ، ويشهد محتواه على أنه من الوحي الإلهي وكل منصف يدرك جيدا لدى قراءته له أنه فوق نتاجات عقول البشر ولا يمكن أن يصدر من انسان مهما كان عالما ، فكيف بإنسان لم يتلق تعليما قط وقد نشأ في بيئة جاهلية موبوءة بالخرافات ! . . . ويراد ب " السجود " هنا : الخضوع والتسليم والطاعة ( 1 ) ، أما السجود المتبادر
--> 1 - ومن الشواهد على هذا المعنى ، بالإضافة إلى شهادة الآيات السابقة واللاحقة ، إن السجود بمعنى وضع الجبين على الأرض عند تلاوة القرآن إنما يجب في مواضع محدودة جدا ويستحب في مواضع أخرى ، وفي مواضع أخرى لا هو بالواجب ولا بالمستحب - وحينما تقول الآية : وإذا قرئ القرآن لا يسجدون فقد أطلقت القول ، والإطلاق والحال هذه يراد به التسليم للقرآن .